حوار حول ديوان كريستال في السفير الللبنانية أجراه اسكندر حبش عام 2003
|
حوار مع جريدة
السفير |
|
القصيدة الحديثة لم تعد تلائمها بلاغة الشيوخ |
|
|
|
جاكلين
سلام، من الأسماء الشعرية الجديدة التي بدأت تحفر حضورها في المشهد الشعري
العربي الذي يتشكل خارج المركز، أي في تلك (المنافي) البعيدة التي يلجأ إليها
الكتاب العرب بحثا عن مكان (يعيشونه بحرية ودهشة دائمة). من هنا ترفض الشاعرة
السورية كلمة منفى، بل تسقطها من قاموسها، لتذهب عبر الكتابة (إلى بلاد وشوارع)
لتسبغ عليها (رؤية ذاتية غير مطابقة للواقع). جاكلين
سلام، اسم يأتينا اليوم من كندا حيث تقيمين منذ سنوات. لا أعرف أن كنت نشرت
الشعر قبل إقامتك هناك، بيد أن تجربتك تبلورت في هذا المكان البعيد. على كل،
تستعملين أحيانا في قصائدك كلمة المنفى، ومن هذه النقطة أحب أن أطرح السؤال
الأول: عن أي منفى تتحدثين؟ هل هو منفى اختياري أم له أسبابه؟ جاكلين
سلام بدلا من جاكلين حنا الاسم الذي وقعّتُ به القصيدة الوحيدة التي بعثتها
للنشر وأنا في سوريا، ونُشرتْ في مجلة أدبية ثقافية اسمها (مواسم) ما زالت قيد
الصدور ويشرف عليها الشاعر السوري إبراهيم اليوسف. حين بدأت من كندا، كنت أملك
لا شيء! لأدون بدايتي الحقيقية، وبعد أشهر كنتُ ألقي قصيدة في احتفالية بعيد
المرأة العالمي، كان كلّ شيء طازجاً ومرتبكاً وغائما وما يزال. (لا
رائحة للتراب هنا، لا تراب إلا في العيون الشواطئ إسفلتية أيضا، هل يحلم موجي
بعناق الرمل! كيف
مارس هذا (المنفى) دوره الخاص في تشكيل القصيدة؟ أقصد هل كانت هناك (صدمة)
المكان الأول الذي غادرته؟ سأسقط
كلمة منفى...، وأتحدث عن كندا، المكان الجديد الجميل المتمدن الصقيعي القطبي
الشمالي المعقد والملتبس علينا، الذي نعيشه بحرية ودهشة دائمة. غربة حادة
أتقاسمها ونفسي والقصيدة. هل كان
يلزمنا حقا خزانة من الأحذية كي نبدو متمدنين؟ لدينا
الآن فائض أحذية ولا طرقات على ما يبدو، فأذهب في الكتابة، إلى البلاد، إلى شوارع
الطفولة، أشيد مخيلة تسبح عكس السير، تمتلك فطرة تحاول أطوار السنبلة وتعرف كم
قطرة حليب فيها، وكم يلزم من السنابل لرغيف طازج، وكم حبة عرق كان ينضح جبين
أبي!! وهذا كله يجد مستقرا في أوراق الكتابة، أو يحاول ذلك! سيرة ذاتية يحمل
شعرك، وبخاصة في مجموعتك الأولى (خريف يذرف أوراق التوت)، الكثير من سمات السيرة
الذاتية، على الأقل هذا ما توحي به القراءة. هل أن الكتابة في النهاية ليست سوى
هذه (الأنا) المفقودة؟ ولماذا يتكئ الشاعر على (زمنه الضائع)، إذا جاز القول؟ نصوص
هذه مجموعة (خريف يذرف أوراق التوت) حاولتُ أن أسبغ عليها رؤيتي الذاتية،
والرؤية الذاتية في النص الأدبي ليست مطابقة للحياة الواقعية التي هي حياة
الكاتبة وليست نسخة عنها. هذا لا يعني انفصالي عن تجربتي الحياتية واليومية
وخبراتي الشخصية، كان للنص بأن يشيد (وقائعه) وحقيقته التي تضعني في خانة جديدة
من العلاقات مع ذاتي، مع الأشياء، مع اللغة التي هي خرائط النص مغاليقه مفاتيحه،
ورؤاه. حاولت
في هذه النصوص أن أجتهد وأضع روحي في المستقبل، البعيد قليلا، وخلال رحلة العودة
نبشتُ الماضي، وجدتُ في طريقي خسارات وضياعات باذخة وحميمة على ما يبدو... يحيلنا
طول قصيدة (خريف يذرف...) ( إذا سلمنا جدلا أنها نوع من قصيدة واحدة طويلة في
عدة حركات) إلى نوع من النفس الملحمي، في حين نجد في مجموعتك الثانية (كريستال)،
الصادرة مؤخرا، انك تحاولين كسر هذا النفس لتقتربي من كتابة تحاول أكثر أسر
اللحظة الآنية. هل هذا صحيح؟ وبهذا المعنى، كيف ينفتح باب التجريب أمام الشاعر؟ في
أوراق الخريف والمنشورة حتى الآن فقط الكترونيا، استفدت وسخرتُ كل ما تتيحه
قصيدة النثر من أشكال وأساليب، تجاورتِ النصوص في صيغة منولوغ، أو ديالوغ، أو
لقطة سردية، قصصية، ومضة، محملة برموز من الأساطير، يختلط فيها الشارع الكندي مع
شوارع الذاكرة المقيمة في رأسي، فكانت سيالة شعورية ترسم زمنها الخاص وتنصهر في
النهاية في بؤرة أساسية. وفي (كريستال) حاولت أن أستند إلى الحاضر (الصفر) كي لا
أفقد البوصلة! إحدى
القراءات التي تقترحها كتابتك هي هذه المقارنة بين مكانين وزمنين وان كنت لا
تقومين بهذا عبر (عملية حسابية)، ما أحاول قوله أن هذا الحنين للمكان الأول
ولتفاصيله، والطاغي على بعض القصائد، لا بد وان يحيلنا للبحث عن هذا المكان
الثاني، الذي يبدو مفقودا بمعنى من المعاني، تماما كما تقولين في قصيدة صباحات
(لست مقيمة في المكان). ما تعليقك؟ حتى
المكان الأول في عملية الكتابة يستحيل إلى مكان تنتجه وقائع النص، ويطيب لي
أحيانا أن أتمادى وأسبغ عليه من صفات الفردوس السليب، ما ليس فيه! هذا الحنين
ليس صفة ملازمة للشعراء أو المبدعين فقط. قرأته ولمسته في حكايا وتصرفات أطفال
صغار لعائلات شرقية، إذ يغدو فعل الذاكرة حدثا يوميا استرجاعيا. الشوق والحنين
وضريبة الغياب، أجدها في دمعة طفلة ابنة صديقتي لم تستطع أن ترسم ابنة عمها، بعد
أن تحدثت معها هاتفيا، فراحت تمزق الورق وتبكي وتقول: أنا لا أحبها، ولا هي
تحبني، لذلك لا أستطيع رسمها! لغة
الكتاتيب والشيوخ › تقترب لغتك كثيرا من اللغة اليومية، أي أنها لا تحاول البحث
عن مرجعية لغوية بلاغية. كيف تفهمين اللغة الشعرية، بمعنى آخر ما هي الكتابة
عندك؟ العصر
وتقنيات التواصل تغيرت وكذلك طرائق القول والشعر والكتابة. عديدون
هم اليوم، الشعراء العرب، الذين يكتبون من خارج أوطانهم. هل نستطيع هنا الحديث
عن قصيدة (مهجرية) عربية جديدة؟ إن كان الجواب نعم، كيف تحددين خصائصها؟ بالعودة
قليلا إلى ظروف الشعراء والكتاب المهجريين الأوائل، نجد أننا إزاء واقع مهجري
جديد ومختلف. من حيث أسباب الهجرة فهي واحدة يمكن إيجازها إلى: القمع السياسي،
الضائقة الاقتصادية، ونادرا عشق السفر والترحال والتجارة. غالبا
ما يتحدث النقاد عن نص أنثوي ونسوي الخ.. كيف تنظرين إلى هذه المقارنة
(الجائرة)؟ يبدو
لي أن كل المصطلحات في ثقافتنا العربية، عائمة وملتبسة وتخف ارتباكا واجتهادا
وانشقاقات مع أو ضد! ولم أجد حتى الآن تعريفا ناجعا لكلمة أنثوي أو نسوي، البعض
يطلق التسمية على كل ما تكتبه المرأة من أدب وهذا غير دقيق علميا. السفير
- 2003/06/23 |
|
|


تعليقات
إرسال تعليق